لست سادياً!! فكيف يمتعك حرقة قلب أبناء وطنك و أنت تبيع حريات مستوردة أو مهربة؟"
ومن قال أن حرقة قلب أبناء الوطن تمتعني؟ وكيف لمن يدعو شعبه لأن يهبّ هو إلى الدفاع عن حريته ضد جلاّديه عوضاً عن أن يترك الآخرين، مهما كانت نواياهم، أن يتكلّموا نيابة عنه، أن يتّهم باستيراد أو تهريب الحرية. الحرية بذرة تزرع ونبتة تحصد، وليست منتج يصنّع لكي يتم استيرادها أو تصديرها أو تهريبها. وكيف لنا أن نكتشف معنى الحرية ما لم نقف أولاً في وجه من قمعها في أنفسنا؟
ليست رواندا من أعلن قانون الطوارئ في سورية، أو ملأ السجون بالآلاف المؤلّفة من أبناء الوطن، ومن ثم فشل في الزود عن حياض هذا الوطن، على الرغم من كل الشعارات التي تم رفعها وما زال يتم رفعها في هذا الصدد. ليست أمريكا من نهب خيرات هذا الوطن على مدى العقود الخالية. إن مرتكبي هذه الجرائم بحق الوطن وشعبه، مازالوا يرتعون بيننا، بل مازالوا يحكموننا بمشاركة أبنائهم وأبناء عمومتهم.
فأن لم تكن سادياً أو مازوشياً، أيها الوافد الكريم إلى ربوع مدونتي، لم لا ترفع صوتك في وجه هؤلاء؟ هل سيسمحون لك يا ترى؟ وهل سيفتحون لك مدوناتهم كم أفتح لك مدونتي، لتعبّر بصراحة، مهما بلغت فجاجتها، عن كل ما يجول في صدرك؟ وهل كانوا ليناقشوك في شيء من انتقاداتك بهدوء وعقلانية ورحابة الصدر واحترام للرأي الآخر؟
"و لست مازوشياً!! و أنت تتبتسم لواقع أرضك المؤلم!!!"
وأين رأيتني أبتسم؟ حتى صورتي في المدونة خالية من الابتسامة. ربما كنت تريد لي أن أبتسم حتى أسهّل عليك مهمّة تخويني.
"فمن الجلاد؟؟ أولستَ أحدهم؟؟ على الأقل آلمني حديثك .. فهل أنت جلادي؟؟"
نعم، أنا أحد جلاديك على ما يبدو، لأن صراحتي آلمتك. وستؤلمك دائماً صراحتي، على فكرة، وأنا أعرف أنك ستفسّرها دائماً على النحو الذي يجعلني أبدو خائناً وعميلاً، لأن هذا أسهل، فجلاّدك الحقيقي بعيد المنال.
ليكن. لو كان عدد الخونة والعملاء في البلاد بمثل عدد الاتهامات بالخيانة والعمالة لما وجد في الوطن وطني واحد، ولا حتى الحاكم.
على أية حال، أنا كما ترى، أترك باب التعليق على أفكاري مشرّعاً للجميع، بمن فيهم من يتوسّمون في كلامي ومحياي الخيانة والعمالة.
أما أنا فلا أتوسّم في كلامك إلا الخوف – الخوف على الوطن وعلى الذات. وهذا الخوف في الواقع يوحّدنا، لكني أرغب في معالجة أسبابه الحقيقية، لا أن أحارب طواحين الغرب لخدمة مصالح أسود الشرق. إن انفتاحي على كل الحضارات، غربية كانت أو شرقية، يعادله انغلاقي على كل أنواع ومصادر الاستعباد.
إن مشكلتي مع النظام الحاكم في سورية يكمن في تخييره لنا بين استعباد رجالاته لنا، أو استعباد قوى سلفية ظلامية لنا، أو استعباد أمريكا أو فرنسا لنا. وأنا أرى أن الحرية ليست خيار بين أنواع للاستعباد، وأرى أن تحرّك الشعب ضد نظام من هذا النوع هو بداية صراع حقيقي من أجل حرية حقيقية. ولا، لن يكون هذا الصراع سهل، ولن يؤتي أكله من اللحظة الأولى. لكنه صراع ضروري إن كانت الحرية والعدالة والسلام الاجتماعي تمثّل الأهداف الحقيقية التي نسعى إليها.
أما إن كنا نودّ الحفاظ على الحالة الراهنة لأنها مفيدة لنا بشكل أو بآخر، أو لأننا نخشى التغيير، فهذا أمر آخر.