ما كانت الحسناء ترفع سترها ‏ لو أن في هذي الجموع رجالا

cold0zero
Feed

يوم الاثنين الواقع في 30/1/2006 بعد صلاة الظهر وجد الناس في منطقة المزة خلف (جامع الأكرم) وتحديداً في الشارع الممتد بين (بناء جمعية الاقتصاديين) و(جمعية 7 نيسان) والمسمى (شارع الرباط) وقرب بيتي تماماً تلة من أكياس النايلون المملوءة بالدماء،

بارتفاع وعرض كبيرين في وسط الشارع تماماً، يتناثر حولها عدد كبير من (الإبر الطبية المستعملة والعبوات الزجاجية الفارغة، والقطن المستعمل والشاش المدمّى الخ…). ‏

وكانت بعض السيارات الصغيرة تحاول أن تتجنب العبور فوق أكياس الدماء، بينما لم تستطع السيارات الكبيرة، وخاصة مكاري خط (جوبر ­ مزة أوتستراد) فكانت تدوس هذه الأكياس فتنفجر الدماء في الشارع، وكانت الدماء التي علقت (بالدواليب) ترسم خطاً أحمر من الدماء يمتد طويلاً، بينما كان الأولاد الذين اعتادوا أن يجمعوا النفايات القابلة للبيع مثل (البلاستيك وعلب الكولا المعدنية.. والزجاج.. والكرتون الخ..) يتهافتون ليجمعوا (الإبر الطبية المستعملة والسيرنكات والأمبولات الزجاجية الخ..) ليعيدوا بيعها غير آبهين بالدماء التي يغطسون أرجلهم فيها، ثم ينقلون ما علق بأحذيتهم إلى الأرصفة وممرات المشاة، وهكذا يكتمل المشهد: السيارات تجرّ الدماء على طول الشارع (بدواليبها)، والأولاد ينقلون الدماء على طول الأرصفة بدعساتهم وتنقلاتهم… منظر أقل ما يقال فيه: ‏

أغاية الدنيا أن تحفوا شواربكم ‏

يا أمة ضحكت من جهلها الأمم ‏

وعندما استفحل الأمر وبدأت السيارات تمر فوق هذه الأكياس وتفجّرها، وصارت الدماء تسيل بغزارة، ولم يأتِ أحد من المسؤولين، قام صاحب أحد المحلات التجارية هناك، (وقد طلب مني عدم ذكر اسمه في الصحافة على الرغم من أنه أبدى استعداداً ليشهد على هذه الواقعة بكل تفصيلاتها الدقيقة).. قام بالاتصال بمقسم مخفر المزة (6613571) لأن الدماء وصلت إلى باب محله، وبعد الاستفهام منه طويلاً عن الحادثة حوّله إلى شخص في المخفر لم يُعرِّف عن اسمه، ثم حوّله بدوره إلى رقيب في قسم التحقيق اسمه (منهل) ليسأله نفس الأسئلة وأكثر.. وبعد تحقيق طويل قال له: هل توجد هناك جريمة قتل؟ هل هناك جثة؟ فعاد ليخبره بأن المشكلة أكبر بكثير، وأن أكياساً من الدماء تغطي الشارع، ولا نعرف ما طبيعة هذه الدماء ولا مصدرها!.. تدوس فوقها السيارات فتفجرها حتى أصبحت الدماء تغطي مساحات واسعة جداً. فكان الجواب حرفياً: ‏

(المخفر ليس من اختصاصه هذا الموضوع، وليس لنا علاقة بالأمر). ‏

فعاد صاحبنا واتصل بالاستعلامات (رقم 147) وبعد جهد وجهد وطول انتظار ردوا عليه، فطلب أرقام (وزارة الصحة، مديرية الصحة، بنك الدم، مديرية صحة المحافظة.. أي شيء). فكانت كل الأرقام التي أعطتها الاستعلامات (147) خطأ ما عدا رقم وزارة الصحة. فعلى سبيل المثال أعطت الاستعلامات رقم مديرية الصحة 4445211 وهو خطأ. وأعطت رقم بنك الدم 6668847، فكان منزلاً، وأعطت رقم وزارة الصحة 3339600 فأجاب عامل المقسم وبعد شرح طويل لا يقل عن الاستجواب والتحقيق: لا يوجد أحد. ‏

طلب منه أرقام تلفون أي مسؤول ليتصل به ولو في البيت فقال: لا نعرف أي رقم، وبعد إلحاح ممزوج بالصراخ حوّلنا عامل المقسم هذا إلى سيدة رفضت أن تُعرّف عن اسمها أو وظيفتها، وبعد أخذ وعطاء وتحقيق واستجواب قالت: إن هذا ليس من اختصاص وزارة الصحة، ومع هذا والقول لها حرفياً (سأرى ما نستطيع فعله). ولم تفعل شيئاً، فكان شأننا مع وزارة الصحة كشأن الشاعر الذي قال: ‏

والمستجير بعمرو بعد كربته ‏

كالمستجير من الرمضاء بالنار ‏

ثم قام صاحبنا باتصال شخصي، وحصلنا على الرقم الحقيقي لبنك الدم بعد أن كانت الاستعلامات (147) قد أعطته خطأ، وظل الهاتف يرن طويلاً وطويلاً، ولكن لا يوجد أحد، وأخيراً تبرعت سيدة فاضلة تعرف في الحي باسم (أم عبدو) باتصال شخصي مع أحد أعضاء المكتب التنفيذي لمدينة دمشق ويدعى السيد أديب الخطيب فأفاد مشكوراً: مشكلتكم مع (الطوارئ) وحصلنا على الرقم 672987/092، لمسؤول في الطوارئ، واتصلنا به في بيته وكان اسمه السيد وائل ويعرف باسم (أبو ياسر). أتى السيد (أبو ياسر) مشكوراً ووحيداً ليستطلع الأمر، فوجد المشهد كأنه مسرح لفيلم من أفلام الرعب لأن الدم كان منتشراً في كل مكان، فطلب من الزبّالين العاملين في تلك المنطقة رفع أكياس النايلون المليئة بالدماء، فرفضوا خوفاً من التلوث والعدوى، لكنه أمرهم وهدّدهم بالقوة، واتفق أن كان في المنطقة مجموعة من عمال البلدية يعملون على تقليم الأشجار ومعهم عدّتهم، فأمر السيد (أبو ياسر) الزبّالين باستعارة رفش منهم فرفضوا خوفاً من التلوث، فقام الزبالون بخطف وبعبارة أدق سرقة (كريك) رفش منهم، وجرفوا أكياس النايلون والإبر والشاش والقطن المدمّى وقحفوا الدماء المجمدة، ثم استدعى سيارة (سيترن ماء) بناء على طلب السكان وشطفوا الدماء المجمدة تحت إشرافه. وقد بقي الدم والنفايات مرمية في الشارع من صلاة الظهر حتى بعد صلاة العشاء، ولم تنته العملية إلا بعد الساعة الثامنة ليلاً، ثم عرفت بطرقي الخاصة أن هذه الدماء وما معها من قطن وشاش وعبوات وإبر هي نفايات طبية فاسدة وملوثة كانت تنقلها (سيارة النفايات الطبية) التابعة لمديرية النظافة، ويبدو أن الباب قد فتح بعد أن عبرت السيارة (وهي مسرعة) فوق مطب أقيم قرب باب بناء (7 نيسان)، وبدأت النفايات الطبية (تشرشر)، لأنه وجدنا فيما بعد مجاميع من النفايات مبعثرة هنا وهناك على طول الطريق التي سارت عليه السيارة حتى فرغ كل ما فيها، أما السائق فلا نعلم لماذا لم يعلم؟؟! سامحه الله.. ‏

ثم علمت أن السيارة هي من نوع (إيسوزو) وعلمت رقمها واسم سائقها، وأنها خرجت الساعة العاشرة والنصف من مرآب مديرية النظافة، وإذا كنا لا نريد الأذية لأحد فإني أقدم شكري باسم سكان المنطقة للسيد (أبو ياسر) هاتف 672987/092 لقيامه بأداء واجبه، لأنه ­ على ما يبدو ­ أصبحنا في وقت لم يعد فيه المسؤولون مسؤولين عن وظيفتهم، وإنما يتفرغون لمسؤولياتهم وأعمالهم الخاصة! حتى في أوقات الدوام. ‏

قال أحد الحكماء اليونان: حادثة صغيرة تافهة قد تولد مصيبة كبيرة. ‏

في ضوء ذلك ألا يحق للمواطن أن يتساءل: لنفترض أن هذه الأكياس مليئة بالدماء المجرثمة وضعها (عدو) ما، فماذا سيحدث خلال ثماني ساعات كانت فيه هذه الأكياس مرمية، ولم تتنازل جهة ما مسؤولة وترسل طبيباً أو اختصاصياً لفحصها، حتى قمنا بجهد شخصي وعرفنا مصدرها!!.. بل أكثر من ذلك: إذا شاهد أحدنا دجاجة ميتة مرمية على الرصيف (وانفلونزا الطيور تطوقنا في البلدان المجاورة) فبمن نتصل؟ ومن يسمعنا؟ وغير ذلك وغير ذلك الخ.. ‏

ابكِ يا وطني الحبيب ‏

لقد أسمَعت لو ناديت حياً ‏ ولكن لا حياة لمن تنادي ‏

وقد أشعلت لو نفَّخت ناراً ‏ ولكن أنت تنفخ في رمادِ ‏

د. منى الياس عن تشرين