هل بدأ فعلاً الإصلاح الإداري ولكننا لم نر نتائجه؟ أم أنه لم يبدأ بعد؟ وهل هناك حلقة مفقودة في الخطوات المتعلقة بالإصلاح الإداري؟ بل هل هناك توافق حول ما نعنيه بالإصلاح الإداري أم أنه هناك تداخل بين مفهومي الإصلاح الإداري والإصلاح الحكومي؟
من يصلح ماذا؟ بالرغم من أن ما كتب في الصحف وفي التقارير الحكومية (وغير الحكومية) حول عملية الإصلاح قد يصل إلى أطنان من الورق، إلا أننا نعتقد أنه هناك بعض الأسئلة الكبرى التي لم تتم الإجابة عنها إلى يومنا هذا، فما هو إطار هذا الإصلاح؟ و ما هي حدوده؟ وما هي غاياته؟ بمعنى أدق، ما هي الرؤية الحكومية الإصلاحية التي تعمل بها برامج الإصلاح المختلفة؟ وربما أهم هذه الأسئلة هو التالي: هل تمتلك الجهات التي تقوم بأعمال الإصلاح التكليف المناسب لها للقيام بهذا العمل؟
مستويات العمل الحكومي: كما تشير معظم التقارير المتعلقة بالإصلاح الإداري، فلابد من وجود حدود واضحة للإصلاح، وسنحاول في هذه الفقرة الإشارة إلى المستويات المختلفة للعمل الحكومي، تاركين للجهات المعنية بالإصلاح الإجابة عن حدود عملية الإصلاح المفترضة، ويبين الشكل المستويات التالية: علاقة الحكومة بالجهات الأخرى في الدولة. علاقة مجلس الوزراء مع الوزارات. طريقة عمل وصلاحيات الوزارات. المؤسسات والشركات والمديريات وعلاقتها مع الوزارات. طريقة عمل المؤسسات والشركات والمديريات (طريقة التشغيل).
رغم عدم قدرتنا على الإجابة عن حدود وأولويات عملية الإصلاح، فإن استقراءنا لما نراه أمامنا من تقارير ومن مشاريع ومبادرات ومن تصريحات تحمل الطابع الإصلاحي، يرجح لاعتقادنا بأن عملية الإصلاح التي تتم حالياً تبدأ من الأعلى باتجاه الأسفل، وبالتالي نعتقد أن عملية الإصلاح الإداري مازالت تحاول حتى الآن الإجابة عن التوجهات الرئيسة في عملية الإصلاح، وبالتالي فهي لن تؤدي للوصول لأي نتائج ملموسة في المستقبل القريب، وهي أقرب للإصلاح الحكومي من الإصلاح الإداري، وقد تكون مهددة بالخروج عن مجال السيطرة.
هل هناك احتمالات للنجاح؟ رغم تقديرنا لهذا الأسلوب المنهجي في عملية الإصلاح الإداري، فإننا نعتقد أنه لن يقود لأي نتيجة ملموسة (في السنوات الخمس القادمة على الأقل)، ولا ينحصر السبب في صعوبة اتخاذ القرارات على هذا المستوى المرتفع، والانتقال من هذا المستوى إلى إجراءات فعلية على الأرض بسبب الموارد (الهائلة) التي يتطلبها مثل هذا العمل، والتي لا نمتلكها حتى الآن، ولا نعتقد أنها ستكون متاحة في المستقبل القريب، ولكن أيضا بسبب طبيعة البناء المؤسساتي التي لدينا والتي تمتلك طبيعة هلامية تجعل من آثار أي تغييرات إدارية في قمة الهرم غير قابلة للانعكاس بطريقة (يمكن التنبؤ بها) إلى المستويات الأدنى، ونعتقد أنه هنا تكمن خصوصية الإصلاح في سوريا والتي تجعل من الأسلوب المقترح عقيماً، بحيث أدى للدوران في المكان في السنوات السابقة، وسيؤدي للدوران في المكان خلال السنوات القادمة، طالما أننا نعتقد أن الإصلاح الإداري الذي سيتم في سوريا لن يبتدئ بفهم طبيعة “الأعطال” أو نقاط الخلل التي يعاني منها النظام الإداري في سوريا، ولهذا فسيبقى الإصلاح الإداري مستنداً لأرضية رخوة لا تحمل مقومات الاستمرار.
صراع الرؤى الإصلاحية: قد لا نكون مطلعين على تفاصيل أعمال الإصلاح التي تتم (أو من المخطط أن تتم) في الوزارات المختلفة، إلا أننا قد اطلعنا على دراستين مختلفتين لتطوير طريقة عمل إحدى الوزارات (معتمدتين من قبل بعض الجهات الحكومية)، ومن الملاحظ أن هاتين الدراستين متناقضتان وتبحثان عن أدوار مختلفة للوزارة المعنية، بل قد يؤدي تنفيذ كلا الدراستين إلى إلغاء دور الوزارة بشكل كامل، بالرغم من أن هذا الأمر سيشكل سابقة لا أعتقد أن أحداً قد سبقنا إليها. الغريب في الأمر أننا قد اطلعنا على دراسة ثالثة (أو خطوات تنفيذية) تنوي الوزارة نفسها القيام بها تتعارض بشكل جذري مع الدراستين السابقتين، وهي تحاول الحفاظ على دور الوزارة كما هو الآن (مع محاولة تفعيل هذا الدور).
لن ننحاز لأي من الدراسات الثلاث، فهذا الموضوع خارج عن مجال هذا المقال، خاصة وأن كل من هذه الجهات الثلاث تعتبر نفسها جهة إصلاحية تحاول تطوير طرق عمل الوزارة المعنية، إلا أن ما يهمنا هو وجود ثلاث (رؤى) إصلاحية مختلفة لدور وزارة واحدة، وهذا يعني هدراً لجهود الإصلاح وعرقلة لإمكانية تقدم أي من عمليات الإصلاح.
استناداً لما سبق، يمكننا تشخيص ثلاث مشكلات تمنع بدء عملية الإصلاح الإداري وفقاً لما يلي: 1 - خلاف على حدود وعمق الإصلاح (إداري أ م حكومي، وبمعنى أدق هل الهدف تطوير طريقة عمل الحكومة أم تعديل دورها أم كلهما معاً). 2 - خلاف على الرؤيا المتعلقة باتجاه ونوعية الإصلاح. 3 - خلاف حول آليات تنفيذ الرؤية الإصلاحية. وفي ظل عدم حسم النقاط السابقة، فلا يمكننا الحديث عن وجود برنامج واضح للإصلاح الإداري.
مبادرة الحكومة الإلكترونية: في ظل هذا الواقع أعتقد أن أفضل ما يمكن عمله هو تبني مبادرة واضحة للحكومة الإلكترونية، وذلك كون هذه المبادرة تمتلك رؤية واضحة (لا يوجد خلاف عليها)، وتمتلك آليات تنفيذ وتقانات متعارف عليها عالمياً، وبالتالي نتجاوز معظم العقبات التي ذكرتها سابقاً، وهذا لا يعني أن الطريق معبد أمام مبادرة ناجحة للحكومة الإلكترونية، إلا أنها مبادرة يمكن التنبؤ بنتائجها وقياس مدى تقدمها وفق معايير واضحة ومحددة. وعندما يتم تبني هذه المبادرة وفق أسس سليمة يمكننا حينها أن نتحدث عن وجود مبادرة تؤدي لإصلاح الإدارة الحكومية.
ما مدى جاهزيتنا لذلك؟ قرأت مؤخراً بعض المقالات التي تعتقد أننا غير جاهزين لإطلاق مبادرة خاصة بالحكومة الإلكترونية، وأعتقد أن هذه المقالات تتكرر في كل مرة تتكون فيها قناعة حول أهمية مبادرة الحكومة الإلكترونية، وأود التوضيح أن مبادرة الحكومة الإلكترونية هي عملية تطوير مستمر ومتحكم به للنظام الإداري وليست سحراً يتم استيراده من دولة أخرى، وهنا يكمن موضوع معارضتنا السابقة لمحاولة تصوير مبادرة الحكومة الإلكترونية وكأنها مشروع لاستيراد برمجيات لبوابة حكومية، وإصرارنا على أهمية إطلاق مبادرة واضحة المعالم، فالوضع الإداري لم يعد يحتمل الترف الفكري الذي نمر به حالياً، كما أن تجارب الإصلاح الإداري بالورقة والقلم (دون العامل التكنولوجي) لم تجد نفعاً، ولهذا نرى أنه لابد من إطلاق عملية إصلاح إداري واضحة المعالم تعتبر مبادرة الحكومة الإلكترونية ركيزتها الأساسية وقوتها الدافعة. |