المعلوماتية في سوريا بين المؤتمرات والمشاريع

محمود عنبر
Feed
العدد:
 154
الكـاتب:
 م. محمود عنبر  
مجلة أبيض وأسود

 


هل يكفي أن تنجح مؤتمراتنا وتفشل مشاريعنا؟ وما سبب الفجوة بين ما نطلع عليه في مؤتمراتنا وما يتم تنفيذه في مشاريعنا على الأرض؟ وكيف يمكننا أن نردم الفجوة الواسعة بين ما نسمعه وما يتم تنفيذه؟

هل تكفي الصورة النظرية؟
في لقاء مع مجموعة من الزملاء تم التداول حول المؤتمرات والندوات الكثيرة التي يتم عقدها محلياً، وكان هناك شبه استغراب من أننا لم نتمكن حتى الآن من استثمار الأفكار والمفاهيم النظرية التي تم طرحها في العديد من المشاريع والندوات الكثيرة التي حصلت في السنوات العشر الأخيرة، حتى أن هذه الندوات تحولت لمجال للتحسر على الواقع بدلاً من محاولة توجيه عمليات التطوير. وبالرغم من صحة هذا الواقع إلا أننا ومن ناحية أخرى لا يمكننا التحرك للأمام دون أن تكون المفاهيم النظرية موجودة،وبالتالي علينا أن نؤكد على أهمية المؤتمرات التي تطرح فيها الأطر النظرية، إلا أن طرق الاستفادة من هذه المؤتمرات هي ما يجب أن نأخذه بعين الاعتبار.

بين النظرية والتطبيق:
من البديهي أن نحرص على الاطلاع على الأفكار النظرية المختلفة، وأن نطلع على التجارب العملية التي تخص الدول المختلفة، وبالتالي فمن غير المفيد أن نحاول التشدد في فكرة الخصوصية، وأننا يجب أن نبحث عن حلول ملائمة لنا فقط، إلا أنه من ناحية أخرى علينا ألا نقتصر على الأفكار النظرية، إذ قد يكون من المفيد أن نرسم الصورة الكبرى وفقاً للمفاهيم والأفكار النظرية، ومن ثم نبدأ بالتنفيذ وفقاً للعقبات والأولويات والإمكانات التي نجدها على الأرض، وأذكر أنني قد أشرت إلى هذه الفكرة حين طرحت الاستراتيجية المعلوماتية قبل سنتين، وأعتقد أن عدم الاهتمام بالجانب التطبيقي وآلياته هو ما جعل الاستراتيجية حبيسة أوراقها إلى يومنا هذا.

أين الاستراتيجية من تنفيذها؟
لن نقف كثيراً عند تفاصيل ما تم تنفيذه من الاستراتيجية المعلوماتية، إذ أنني أعتقد أن مقومات تنفيذ هذه الاستراتيجية غير موجودة بعد، وهذه المشكلة توضح أنه مهما كانت الصورة النظرية التي نرسمها جميلة، فإن طرق التنفيذ تحتاج لآليات، وهذا هو التحدي الأكبر الذي يواجه أي بلد، وأذكر أنه منذ سنتين قد أشرت إلى هذا الموضوع عندما طرحت الاستراتيجية لأول مرة، و قد طلب مني إبداء وجهة نظر في هذه الاستراتيجية، وكانت إشارتي إلى أن نقطة الضعف هي في عدم وجود آليات تنفيذية، وفي عدم وجود أولويات للتنفيذ، وكنت أتمنى لو أنني كنت قد أخطأت التقدير وأن أرى البرامج تنفذ وفق المهل الزمنية المقررة، ولكن وللأسف لم يحدث ذلك ولا أعتقد أنه سيحدث (بما يخدم الاستراتيجية)، ما لم نواجه المشكلة المتعلقة بآليات التنفيذ بشكل جدي.

مؤتمر تقانات المعلومات والاتصالات الثاني:
كما هو معلوم فقد نظمت شبكة العلماء السوريين في المغترب (نوستيا) المؤتمر الدولي الأول لتقانات المعلومات والاتصالات في العام السابق، وقد حقق المؤتمر نتائج باهرة من حيث حجم ونوعية المشاركات الدولية فيه، حيث كان 38 % من المشاركين من دول الاتحاد الأوروبي، و14 % من الدول العربية، كما حقق المؤتمر نجاحاً مقبولاً في مجال استقطاب الخبراء والباحثين المحليين، وقد نجم عن المؤتمر بعض النشاطات اللاحقة، إلا أنها بمعظمها تمحورت حول الشق الأكاديمي (ربما باستثناء محور الصحة الإلكترونية الذي خطا خطوة إضافية في ورشة العمل اللاحقة)، إلا أن المؤتمر ربما لم يحقق ما كنا نحلم به من المساهمة في ردم الفجوة الرقمية في سوريا والتي مازالت تزداد اتساعاً.

ورشات العمل المرافقة:
بعد أن رسخت نوستيا البعد الدولي للمؤتمر والسوية المرتفعة للمشاركين وللمواضيع المطروحة، ربما أصبح عليها في المؤتمر الثاني أن تحاول التصدي للمهمة الأصعب (من وجهة نظر محلية على الأقل)، وهي محاولة استثمار هذا المؤتمر في المساهمة في ردم الفجوة الرقمية في سوريا، وأعتقد أن الدكتور باسل سليمان رئيس المؤتمر قد تنبه إلى هذه النقطة وقام بطرح تسع ورشات عمل في المؤتمر الثاني تحاول التركيز على الجانب التطبيقي، وإمكانات استثمار المؤتمر لتحقيق اختراقات (أو لتحفيز تحقيق اختراقات) في محاور محددة، وستغطي ورشات العمل المحاور المبينة في الشكل المرفق.

الفجوة بين النظرية والتطبيق:
لا ندري إلى أي مدى ستنجح ورشات العمل المقترحة في ردم الفجوة بين النظرية والتطبيق، خاصة وأن تاريخنا في القدرة على تسخير المفاهيم النظرية وتحويلها إلى واقع ملموس عبر مشاريع محددة غير مشجع، وأعتقد أن الجمعية العلمية السورية للمعلوماتية بكوادرها المنتشرين على الأرض هي الأكثر قدرة على إدراك المشكلة وتشخيصها بشكل سليم، وربما كان هذا هو سبب الطبيعة المختلفة لورشات العمل والمؤتمرات التي نظمتها الجمعية وآخرها المؤتمر المتعلق باستخدامات تقانات المعلومات والاتصالات لتوليد الثروة في المجتمع (مكافحة الفقر)، وهنا نعتقد أن ردم الفجوة بين ما يتم طرحه من أفكار نظرية وما يتم تنفيذه على الأرض يتطلب بالضرورة المزاوجة بين هاتين النظرتين المتباينتين وانتهاج حل ثالث نرجو أن يؤدي بالفعل إلى ردم الفجوة الرقمية في سوريا، فما لم نحاول ردم الفجوة الرقمية فإننا نتحرك في الاتجاه الخاطئ، والعبرة ليست في عدد المشاريع أو الندوات التي ننفذها، وإنما في النتائج التي تتمخض عنها وفي قدرتها على دفع الأمور نحو الأفضل. يبقى أن نشير إلى أن ورشات العمل لن يكتب لها النجاح ما لم تضمن وجود وتفاعل الجهات الفاعلة على الأرض من جهة، وما لم تتصدى لمشكلة آليات التنفيذ من جهة أخرى.