صناعة البرمجيات في سوريا إلى أين؟

محمود عنبر
Feed
 

 
 
 
 
مجلة أبيض وأسود
العدد 158
م. محمود عنبر

لماذا لم تتمكن سوريا من إطلاق صناعة برمجيات ملائمة حتى الآن؟ وما هي العقبات الرئيسية التي تقف في وجه إطلاق هذه الصناعة؟ وما مدى انسجام عمل الجهات المختلفة لتحقيق هذا الهدف؟



ما الفرق بين الجهات المعنية وأصحاب المصلحة؟

أعتقد أنه هناك خلاف في الترجمة العربية لمصطلح Stakeholders، وربما يعود السبب إلى عدم التطابق بين الجهات المعنية (وأصحاب المصلحة) في واقعنا، وبالتالي لابد من مناقشة هذا الموضوع بقليل من الخصوصية، فهناك العديد من الجهات الحكومية التي يمكن اعتبارها معنية بصناعة البرمجيات في سوريا، فهذه الجهات قد تلعب أدواراً إيجابية أو سلبية في إطلاق صناعة للبرمجيات في سوريا، رغم أنه لا يمكن اعتبارها من أصحاب المصلحة المعنيين بشكل مباشر بهذا الموضوع، وسنذكر على سبيل المثال (لا الحصر) الجهات التالية: وزارة المالية، مؤسسة التأمينات الاجتماعية، وزارة الإدارة المحلية، البلديات، الجامعات، وزارة الاقتصاد والتجارة، وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وزارة الصناعة، وغيرها من الجهات.



ومن ناحية أخرى، فهناك جهات أعتقد أنها تجمع بين لقبي أصحاب المصلحة و(الجهات المعنية)، وهي الجهات التالية: وزارة الاتصالات والتقانة، المؤسسة العامة للاتصالات، الجمعية العلمية السورية للمعلوماتية، شبكة العلماء السوريين في المغترب (نوستيا)، منتدى صناعة البرمجيات، غرف الصناعة والتجارة، كليات الهندسة المعلوماتية بكافة اختصاصاتها.



أعتقد أن معالجة أدوار (الجهات المعنية) المبينة في القائمة الأولى ذات بعد إداري بحت، ولذلك لن نعالجها في هذا المقال، وسنقتصر على دور الجهات (أصحاب المصلحة) في تطوير صناعة برمجيات سورية حقيقية.











وزارة الاتصالات والتقانة:

أعتقد أن وزارة الاتصالات والتقانة لها دور مركب في مجال صناعة البرمجيات، إذ أنها يجب أن تعالج القضايا التنظيمية المتعلقة بتنظيم مهنة صناعة البرمجيات وأن تضع أسس نموها ومن ناحية أخرى، فعليها أن تلعب دور المحفز للجهات الحكومية الأخرى للارتقاء بطرق طرحهم للمشاريع المعلوماتية بما يؤدي لتطوير قطاع صناعة البرمجيات كاستجابة لهذا الطلب، وأعتقد أن هذه النقاط قد تمت الإشارة إليها في الاستراتيجية المعلوماتية.



المؤسسة العامة للاتصالات:

تعتبر البنية التحتية الملائمة لشركات صناعة البرمجيات واحدة من أهم عوامل نجاحها، كما أنها تنعكس إيجاباً على المؤسسة، فزيادة الاستهلاك الرقمي سيعني زيادة في استخدام خدمات الاتصالات والعكس بالعكس، وهنا نعتقد أن التحدي الأهم الذي تواجهه المؤسسة هو في العمل على تحقيق زيادة كبيرة في مشتركي الإنترنت، وفي نوعية الخدمات المقدمة لهم، بما يؤدي لاستقطاب استثمارات في مجال صناعة البرمجيات وصناعة المحتوى الرقمي.



الجمعية العلمية السورية للمعلوماتية:

قد يكون الدور الرئيس للجمعية المعلوماتية هو في مساعدة جهات القطاع العام على توصيف متطلباتها بشكل سليم، وفي طرح مشاريعها وفق أسس واضحة، ونحن هنا لا نتحدث عن الدور المباشر لبعض أعضاء الجمعية في تقديم الاستشارات، ولكن عن مساهمة الجمعية في تغيير طرق طرح المشاريع، وهنا نعتقد أن لجنة الإدارة المعلوماتية التابعة للجمعية يجب أن تبدأ بلعب هذا الدور، خاصة وأنها تحوي حتى الآن 40 عضواً جميعهم من خريجي دورة الإدارة المعلوماتية التي تقيمها المنظمة اليابانية للتعاون الدولي (جايكا) بالتعاون مع كلية الهندسة المعلوماتية في جامعة دمشق، وسينضم إليهم خلال الشهرين القادمين دفعة جديدة من الخريجين، وأعتقد أن هذه اللجنة يجب أن تنسق مع وزارة الاتصالات والتقانة للمساهمة في هذا الجزء من مبادرة تنظيم المهنة التي تتم في الوزارة، والتي قطعت شوطاً لا بأس به، وأعتقد أن قدرة الوزارة على التأثير في طرق طرح جهات القطاع العام لمشاريعها هو التحدي الأكبر الذي يجب مواجهته في الفترة المقبلة، ومن هنا تأتي أهمية الاستعانة بلجنة الإدارة المعلوماتية التي يعمل جميع أعضائها في الإدارات المعلوماتية في مؤسسات وشركات القطاع العام، وبالتالي يمكن اعتبارهم الذراع التنفيذية لهذا العمل..



منتدى صناعة البرمجيات:

منذ أن تم تأسيس منتدى صناعة البرمجيات من قبل اللجنة الإدارية بدمشق للجمعية المعلوماتية، شق المنتدى طريقه بثبات، وربما يعود ذلك للدعم الذي تلقاه المنتدى من قبل رئيس اللجنة الإدارية بدمشق في حينه (الدكتور مروان زبيبي)، إلا أنني أعتقد أن المنتدى قد وصل إلى مرحلة تسمح له بلعب دور مستقل، وربما كانت هذه هي رغبة الشركات حيث قامت مؤخراً بانتخاب لجنة إدارية مستقلة. ويمتاز المنتدى بنقاط القوة التالية:

- بالرغم من إشراف اللجنة الإدارية بدمشق على المنتدى، فهو قد ضم شركات برمجيات من مدينتي حلب واللاذقية، مما يعني أنه يعكس تركيبة الجهات المنتجة للبرمجيات على المستوى الوطني، وأعتقد أنه لابد من إعادة توصيف لهذا الدور ضمن الجمعية..



- شركات المنتدى تم اختيارها استناداً لتاريخ عملها في المشاريع، وبالتالي فهي الأكثر قدرة على قراءة الصعوبات الحالية التي قد تعاني منها صناعة البرمجيات.

عدد الشركات الحالي يبلع 29 شركة، وهذه القاعدة تعتبر كافية لإطلاق مبادرة للنهوض بصناعة البرمجيات، وأعتقد أنه لم يعد من الممكن تجاهلها بعد الآن.



نوستيا والمصادر المفتوحة:

بالرغم من أن نوستيا تعتبر المعلوماتية أحد محاور عملها (بالإضافة لمحوري المياه والمال حالياً)، فأعتقد أنه يعود الفضل لنوستيا في لعب الدور الرئيس في نقل تقانات المصادر المفتوحة إلى سوريا، وقد تجلى ذلك في الندوات والدورات المختلفة التي تبنتها نوستيا، إلا أن هذا لا يمنع من ضرورة التمييز بين نقل التقانة وتبنيها، فتبني أي تقانة هو موضوع يخضع لاعتبارات مالية وتقنية وبشرية، وبالتالي يتخذ هذا الأمر على مستوى كل مشروع (كما هو الحال في معظم دول العالم المتطور)، وأعتقد أن تبني نوستيا لنقل تقانة المصادر المفتوحة لا يعني بالضرورة دعوة أو موافقة على إلغاء الخيارات الأخرى، أو إضعافاً للدور الاستشاري الذي يفترض أن يقوم باتخاذ الخيارات التكنولوجية المتعلقة بكل مشروع.



على أية حال، تقوم نوستيا الآن بالتحضير لمجموعة من المشاريع التي تلعب دوراً في ردم الفجوة الرقمية في سوريا، وتعتمد على بناء مروحة من الشراكات مع جهات من القطاعين العام والخاص، وذلك وفقاً لمفهوم الشراكة متعددة الأطراف،  وأعتقد أنه فيما لو نجحت بعض هذه الشراكات، فسنشهد تغييراً في بيئة العمل الخاصة بالمشاريع المعلوماتية في سوريا.



وأخيراً أعتقد أنه لابد من إطلاق مبادرة مستقلة (مالياً وإدارياً) لتطوير صناعة البرمجيات في سوريا، وذلك بالتعاون بين مختلف (أصحاب المصلحة)، المذكورين سابقاً، وان تمتلك هذه المبادرة تمويلاً خاصاً بها، وأقترح في هذا السياق إعادة النظر في طريقة حجز وصرف الاعتمادات الخاصة بالمشاريع المعلوماتية في الوزارات والمؤسسات الحكومية، وإعادة صياغتها بما يؤدي لانسجامها مع المبادرات المطروحة، ورغم أنه قد أصبح الوقت متأخراً للحديث عن فرصة يجب اقتناصها، إلا أنني أعتقد أنه لا يوجد طريق آخر للنجاة.