مجلة أبيض وأسود
هل يُعتبر خبراء التقانة حالمين وبعيدين عن الواقع؟ أم أنهم يحملون نظرة واقعية ومتفائلة للمستقبل؟ وهل تعتبر التقانة إحدى الخيارات التي يمكنها أن تؤدي لمستقبل أفضل؟ أم أنها الخيار الوحيد الذي يمنع التردي المستمر؟ وهل مازال من الممكن انتظار قيام الجهاز الحكومي بتحقيق الأهداف التنموية؟ أم أننا يجب أن نبحث عن بدائل أخرى تعيد توصيف الدور الحكومي وفقاً لقدراته الفنية والبشرية؟
الإجماع التكنولوجي: صحيح أنه من الممكن اتهام المتخصصين في المجالات التكنولوجية بأنهم مسوقين دائمين لأفكارهم ولما يؤمنون به، وبالرغم من مشروعية ذلك، فأعتقد أننا نعاني من مشكلة محلياً، وتتعلق بالانفصال الكامل بين المتخصصين في مجال التكنولوجيا وبين باقي الفئات، وأعتقد أن هذه المشكلة نشعر بها أثناء اجتماعاتنا كمعنيين في الشأن التكنولوجي، إذ أن الخلافات تنحصر على الغالب في الطرق المختلفة لتحقيق قفزة تكنولوجية في مجال ما، ولكن وللأسف وفي بعض الاجتماعات مع الجهات التي لا تمتلك حماساً للتطوير التكنولوجي نجد أن ما تتم مناقشته أمور خارجة عن السياق الزماني والمكاني، ونشعر بأن هذا الحوار (حول التنمية) كان يمكن أن يكون مقبولاً قبل خمسين عاماً وليس الآن.
الفجوة الفكرية: إن المطلع على الواقع العملي في سوريا يستطيع أن يدرك حجم الفجوة الفكرية بين الأفكار والمفاهيم النظرية، وبين الواقع العملي الذي تم ترسيخه عبر سنوات طويلة من العمل في بيئة مغلقة، أدت لركود شديد في طرق العمل، وجعلت من معظم القوة العاملة (بما فيها أصحاب الياقات البيضاء)، هم أصحاب نظرة ساكنة للأمور، ويعتقدون بأن أفضل ما يمكن أن يقوموا به هو أن يسيروا الأمور اليوم كما كانت عليه بالأمس، وكما يجب أن تكون عليه غداً، وفي ظل هذه الثقافة يصبح أي حديث عن التكنولوجيا أقرب إلى الترف الفكري، وبالتالي يمكننا تصور مدى صعوبة دور العاملين في مجال نقل التكنولوجيا، والجهات التي تحاول إدخال المفاهيم التكنولوجية الحديثة إلى الأعمال بأشكالها المختلفة.
بين الرعاية والوصاية: من المعلوم أنه مرت علينا فترة من الزمن كانت فيه الجهات الحكومية هي المعنية بشكل كامل بالقضايا التنموية، وأعتقد أنه لا ضرورة لبحث مدى نجاحها (أو فشلها) في تحقيق ذلك، إذ أن ما يهمنا الآن هو وجود قناعة لدى الجهات المعنية بأن الجهات الحكومية غير قادرة بقدراتها الذاتية على تحقيق معدلات التنمية المطلوبة، وبالتالي فجهات القطاع الخاص والقطاع غير الحكومي مدعوة للمساهمة بشكل فعال في عملية التنمية.
تبرز المشكلة في أن هذه الجهات الحكومية قد اعتادت ولفترة طويلة من الزمن على كونها (الوصي) على عملية التنمية، ولم تفلح كل المؤتمرات والمقالات الصحفية والتصريحات الحكومية في تغيير هذه القناعات لدى معظم العاملين في القطاع العام، الذي تشربوا فكرة (الدور الرائد للقطاع العام)، وبالتالي يعتقدون بأنهم الوحيدون القادرون على تحقيق أي شيء (رغم حالات فشلهم المتتالية)، بل يصل الأمر إلى أكثر من ذلك، حين يحاول بعض المعنيين عرقلة أية نشاطات تنموية لا تمر عبرهم، وهنا يتجاوز الأمر ضيق الأفق إلى ما هو أبعد من ذلك.
إن أية محاولة لحفاظ الجهات الحكومية على الدور الوصائي على عمليات التنمية، يجب أن تنطلق من محاولة دعم أية أعمال تنموية وليس عرقلتها، ويجب أن يكون هناك آليات واضحة في هذا السياق، تصل إلى إدراك الجهات التي تعرقل المشاريع التنموية بأن هذا الأمر لن يتم دون عقاب، وإلا فإننا نرسل رسائل خاطئة حول مجمل عملية التطوير.
سوريا والمحاور التنموية الإستراتيجية: بالرغم من كل ما قيل ويقال عن الخطة الخمسية العاشرة، فإنني أعتقد أنها لا تكفي بشكلها الحالي لتحقيق التطوير المطلوب (راجع مقال مطالب مشروع ISMF من الحكومة السورية للكاتب في العدد 155 من مجلة أبيض وأسود)، وعلى أية حال أعتقد أنه من الضروري تحديد بعض المحاور الاستراتيجية والتركيز عليها، إذ أنني لاأعتقد أن سوريا تملك من الموارد ما يسمح لها بتحقيق خطة إصلاح شامل في المستقبل المنظور، وعليها أن ترتب أولوياتها بما يسمح بتركيز الموارد (والرقابة) على بعض المحاور الاستراتيجية التي أعتقد أنه لا يوجد خلاف عليها بين معظم الجهات. وعندها يجب أن تتعاون كافة الأطراف لتحقيق ذلك.
قوى الممانعة (كيف تكبر وتصغر)؟ أعتقد أننا يجب أن ننظر للتنمية والتطوير كعملية تتعرض للمانعة (وهذا أمر طبيعي)، وبما أنه علينا توقع وجود قوى ممانعة (تتميز بالركود) في عدة جبهات، فإن مجرد محاولة تحقيق التطوير في كافة المحاور يعني توزيع الموارد الإصلاحية على عدة جبهات وبالتالي تشتيت القوى، ومن هنا نرى أن وضع الأولويات وتركيز الموارد هو الطريق السليم لتحقيق اختراقات تنموية واضحة، وربما تعارض هذا المفهوم مع مفهوم الماكينة (الحكومية) التي توزع الموارد على الجهات المختلفة وفق خطة سنوية (تشبه بشكل كبير خطة السنة التي سبقتها)، ولهذا فبينما تتحدث الحكومة عن تحقيق اختراقات تنموية، فهي تشتت جهودها على قطاعات واسعة، وهذا يؤدي لدعم القوى المعرقلة للعمل التنموي ودفعها لمؤازرة بعضها.
استناداً لما سبق، فإن ما نخشاه هو استخدام بعض الشعارات الصحيحة في الشكل (والمدمرة في المضمون)، مثل ضرورة تحقيق التنمية في كافة المحاور، وضرورة مساهمة الجميع في عملية التطوير، وغير ذلك من العبارات التي يحاول البعض الترويج لها، والتي هدفها سحب أكبر حجم ممكن من الموارد المخصصة لعمليات التطوير، ومن ثم إنفاقها وفقاً لطرق الإنفاق التقليدية، وطالما استمرت هذه الطريقة في إعطاء كافة موارد الخزينة إلى الجهات المكلفة بالأعمال الروتينية، والتي لا يمكنها أصلاً المساهمة في عملية التطوير، فإننا ندعم الجهات المعرقلة للإصلاح، وعندها يمكننا فهم لماذا ستقوم هذه الجهات بعرقلة المسيرة الإصلاحية، وأي موارد ستستخدم لتحقيق ذلك. |