الخصخصة والاقتصاد الجديد

محمود عنبر
Feed
الخصخصة والاقتصاد الجديد
Image

العدد:
 161
الكـاتب:
 م. محمود عنبر  
مجلة أبيض وأسود


هل يمكن أن تستمر سوريا باقتصاد زراعي؟ وهل تكفينا القيمة المضافة المحدودة الناجمة عن الصناعات الغذائية؟ أم أننا يجب أن نبحث عن مصادر جديدة؟ وهل هناك قرار بالتحول نحو الاقتصاد الجديد أم لا؟ وأين تقع النهضة الصناعية في هذا الإطار؟ وكيف سيمول هذا التوجه؟

الخصخصة كخيار أخير:
لا أدري لماذا اعتبرت الخصخصة موضوعاً ذا أبعاد سياسية في الفترة الماضية، إلى درجة أن الموضوع سحب من التداول الإعلامي لمرات عديدة، إلى درجة أن وصل الأمر بأحد المسؤولين السابقين إلى تفضيله لإغلاق مؤسسات القطاع العام الخاسرة على خصخصتها، وظهر الأمر وكأنه لا علاقة له بالرؤيا الاقتصادية، وإنما مرتبط بالعواطف والمواقف الانفعالية، ولهذا فأعتقد أن موضوع الخصخصة يجب أن يتم طرحه كأحد الخيارات العلمية التي قد يتم اللجوء لها في بعض الحالات، وبالتالي يجب أن نبدأ بإعداد بعض الشركات لاحتمال الخصخصة، وذلك بشكل معلن، وخاصة أننا نخشى من أن استمرار التركيز على فكرة طرح الشركات العامة للاستثمار الخاص (كخيار وحيد)، سيجعل من إمكانية تحول الشركات الخاسرة إلى رابحة أمراً شبه مستحيل.

بين الشراكة والاستثمار الخاص (ال بي أو تي فقط):
لا أود أن يفهم من طرحي السابق أنني ضد طرح بعض الشركات للاستثمار الخاص، إلا أنني أرى أن هذا الطرح هو جزء من إطار أعم وهو (الشراكة بين القطاعين العام والخاص)، وبالتالي أرى أنه لا يجوز اتخاذ قرار بهذا المستوى من التفصيل (طرح شركة للاستثمار الخاص)، قبل دراسة كافة الخيارات الأخرى الممكنة للشراكة بين القطاعين العام والخاص، ويبين الجدول المرفق 18 حالة مختلفة للشراكة بين القطاعين العام والخاص، ولا أدري سبب تركيز متخذي القرار لدينا على الخيار الأول فقط.

مجلس أعلى للشراكة متعددة الأطراف:
أعتقد أنه من المستغرب أن تقرر الجهة الحكومية الوصائية الخيار الأنسب لطبيعة علاقة الشراكة، فهذا القرار اقتصادي، ويحتاج لخبراء في هذا المجال، وكما أن الجهات الحكومية التي تلجأ لشركات هندسية للقيام بتصميم المنشآت والمباني، عليها أن تلجأ لجهات اقتصادية متخصصة لتحديد طبيعة علاقة الشراكة المناسبة، وبما أن هذا الموضوع ذو أبعاد استراتيجية، فنقترح أن يكون هناك مجلس أعلى للشراكة متعددة الأطراف على المستوى الوطني تحال إليه كافة مشاريع الشراكة، وذلك على أن يكون أعضاء هذا المجلس مستقلين عن الجهاز الحكومي (قضاة ومستشارين اقتصاديين وفنيين مستقلين)، ويكون دور هذا المجلس هو دراسة الخيار الأنسب لعلاقة الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وإعادة هذه التوصية إلى الجهاز الحكومي.


مؤسسات صناعية مفلسة:
قد لا تقتصر حالات الإفلاس على مؤسسات القطاع العام، إذ أنني أعتقد أنه هناك العديد من المؤسسات الخاصة التي (إن كشفت أرقام حساباتها الحقيقية)، فهي تعاني من الإفلاس (وذلك وفق المفاهيم المحاسبية للإفلاس التي تربط بين رأس المال وحجم الديون)، إلا أنه للأسف لا يوجد حتى الآن آلية رقابية ملزمة لكشف الأرقام الحقيقية لهذه الشركات، ولهذا السبب أعتقد أن حالات الإفلاس التي بدأت تظهر في مؤسسات القطاع الخاص (بعد استفحالها) مؤهلة للمزيد من التوسع، وذلك في حال لم يصدر تشريع واضح يطالب بالحد الأدنى من الوضوح في الإجراءات المحاسبية المتبعة، وفي نظم المعلومات المعتمدة في هذه المؤسسات.

أما في مؤسسات القطاع العام، فأعتقد أن المعنيين عن هذا القطاع يعلمون حجم الإفلاس فيه، وأن العديد من الشركات يجب أن يتم إغلاقها والبحث عن طريقة لتغطية ديونها المستحقة لصندوق الدين العام (بشكل مباشر أو غير مباشر عبر ما تمت تسميته بالتشابكات المالية)، والتي بمعظمها هي أموال التأمينات الاجتماعية، ولهذا فقد تكون الخصخصة هي الطريقة الوحيدة لاسترجاع بعض الخسائر، وإعادة بعض الأموال إلى صندوق الدين العام، ومنه لمؤسسة التأمينات الاجتماعية.
الاقتصاد الجديد:
أعتقد أن الاقتصاد الجديد ربما كان الأمل الوحيد لسوريا لخلق قيمة مضافة قادرة على تلبية الاحتياجات، وتأمين المداخيل الكفيلة بالتصدي للاستحقاقات، وتأمين الحد الأدنى من الأمان الاجتماعي للمواطنين، ولا أدري لماذا مازلت أعتقد أن هذا الموضوع قد تم ركنه على الرف منذ مدة طويلة، وتعرض للتهميش تحت ضغط حل المشكلات اليومية (التي لم ولن تنتهي)، بل هي مرشحة لمزيد من التفاقم، وأعتقد أن خطة استراتيجية للانتقال نحو الاقتصاد الجديد مازالت غير موجودة، بما في ذلك مصادر تمويلها، وفي هذا السياق أعتقد أن تخلي الدولة عن بعض مؤسساتها المتهالكة التي لا أمل يرجى في إنعاشها، قد يكفي لتمويل بعض المشاريع المتعلقة بالاقتصاد الجديد، والتي قد تكون رافعة الاقتصاد السوري بعد عشر سنوات من الآن.

وبالرغم من أنني مؤمن بدور القطاع الخاص المحوري في الاستثمار في مجالات الاقتصاد الجديد، ولكنني أيضاً أعتقد أن القطاع الخاص لن يقوم بالخطوة الأولى، ويجب أن تكون هذه الخطوة حكومية، بما يؤدي لاقتناع القطاع الخاص بأن سوريا قد حسمت أمرها بالتوجه نحو الاقتصاد الجديد.