الشراكة متعددة الأطراف وأهداف التنمية الوطنية

محمود عنبر
Feed
العدد:
 157
الكـاتب:
 م. محمود عنبر  
مجلة أبيض وأسود

 
هل تطلق تسمية المنظمات غير الحكومية على الجهات المناسبة؟ وهل تقوم هذه المؤسسات بمهام غير حكومية؟ أم أن لعبة تداخل المفاهيم والغايات قد انتقلت إلى العمل غير الحكومي، وتداخلت غايات هذه الجهات مع غايات كل من الجهات الحكومية وجهات القطاع الخاص؟ وما هي الطريقة لتنظيم العلاقة بين كل من هذه الجهات بما يضمن مساهمة فعالة لكل من هذه الجهات في عملية التنمية؟


أدوار القطاعات المختلفة:
تلعب كل من المنظمات غير الحكومية والمؤسسات الحكومية ومؤسسات القطاع الخاص أدواراًً متكاملة فيما بينها لتحقيق الأهداف التنموية،، فالدور الحكومي يتمثل في تنفيذ البيان الوزاري الذي يعبر عن أولويات واهتمامات الناخبين، وبالتالي يعكس أولويات ديمقراطية في العمل، وينطلق من استخدام موارد (دافعي الضرائب) لتحقيق الأولويات التي ارتضتها الشريحة الواسعة من الناخبين.
أما القطاع الخاص، فهو الجهة التي تسعى إلى تحقيق الربح، وبالتالي يضع أولويات مختلفة لتحقيق أهدافه، ويعتمد على آليات سقفها القانون، فعمل القطاع الخاص يمتاز بالمرونة، وذلك كونه مسؤولاً أمام حملة الأسهم فقط، طبعاً هذا لا يعني عدم وجود ضوابط، إلا أن حملة الأسهم أكثر قدرة على التوافق على توجه معين طالما أنه يحقق أرباحاً قصيرة أو بعيدة المدى، وهنا من يضع الاستثمارات هم حملة الأسهم، وستعكس استراتيجيات مؤسسات وشركات القطاع الخاص مصالح حملة الأسهم. أما العمل غير الحكومي فيقع في منطقة متوسطة بين الحالتين السابقتين، فهو لا يعمل وفق أهداف وغايات حملة أسهم (هدفهم الربح)، إذ أنه قطاع غير ربحي، ولكنه لا يعمل أيضاً وفق أولويات حكومية، فهذا القطاع يمثل شريحة معينة من المجتمع (منتسبي هذه المنظمة غير الحكومية)، ويفترض أن يكون لدى هذه القاعدة رؤى أو (تمنيات) ترتكز لنظرتهم لما يجب أن تكون عليه الأمور، وبالتالي تعمل هذه المنظمة غير الحكومية على تحقيق هذه الرؤيا، وذلك وفق أولويات تنموية وطنية، ولكنها ليست حكومية بالضرورة.

الصفة التمثيلية وتضارب المصالح:
أعتقد أن أهم ما يجب أن يميز العمل غير الحكومي هو الصفة التمثيلية، فعلى سبيل المثال لا يمكن لمجموعة من الصيادلة أن تقرر تأسيس منظمة غير حكومية لتطوير مهنة الطب، كما أنه لا يمكن لمجموعة من التجار تأسيس منظمة غير حكومية لتطوير العمل الحكومي (على سبيل المثال)، وجدير بالذكر أن أي منظمة غير حكومية (في سوريا على الأقل) لا تحتاج لأكثر من تسعة أشخاص لتبدأ عملها، وبالتالي فإن مصداقيتها في المرحلة الأولى من عملها ترتكز على مدى تحقيقها لصفة التمثيل المذكورة سابقاً، وعدم خضوعها لتضارب المصالح بين الجهة التي يفترض أنها تمثلها والجهة التي تمثلها فعلاً، طبعاً في مراحل لاحقة فإن إنجازات هذه الجهة واستراتيجياتها المعلنة وطريقة عملها الشفافة هي ما قد يزيد أو يضعف مصداقيتها.

بين المواجهة والشراكة:
رغم أن الأمور لا يفترض أن تصل بين الجهات الثلاث إلى حد المواجهة، وذلك بسبب التزام الجهات الثلاث بالأهداف التنموية الوطنية، إلا أنه أيضاً من غير المتوقع أن يكون هناك أي شراكات استراتيجية أو تداخل غير محدد المعالم بين هذه الجهات، وإلا فستفقد الجهات الأضعف في هذه المعادلة استقلاليتها، إلا أن ما يمكن حدوثه، هو تقاطع مصالح الجهات الثلاث السابقة فيما يتعلق بمواضيع محددة، وهنا أعتقد أنه يمكننا الحديث عن شراكات مؤقتة، وذات بعد تكتيكي وليس استراتيجياً، وهذا يعني أن كل حالة شراكة بين الجهات الثلاث يجب أن تتم دراستها بعناية من قبل ممثلي هذه الجهات، وبالتالي اتخاذ قرار الشراكة أو عدم الشراكة حسب أولويات كل جهة، ومدى مساهمة المشروع أو المبادرة المقترحة في تحقيق أهدافها قرباً أو بعداً. طبعاً يجب أن يكون هناك توجهات واستراتيجيات وطنية تجمع عليها كل هذه الجهات مما يضمن أن أي تقدم في تحقيق أهداف أي جهة لن يعرقل تقدم الجهات الأخرى في تحقيق أهدافها، إن لم يساعدها على تحقيق هذه الأهداف.

آليات التنظيم والتعاون:
قد لا يختلف أي منا على النقاط السابقة، إلا أننا وخلال التنفيذ نواجه بعدد كبير من المشكلات التي تجعل من تحقيق الصورة السابقة أمراً صعباً، وتزداد صعوبة هذه العملية في حال عدم وجود تراث سابق لعمل الجهات الثلاث السابقة ضمن إطار تنموي وطني، إذ وكما هو معلوم فقد كان القطاع العام محلياً هو المهيمن على كافة النشاطات التنموية، وكانت كل من المنظمات غير الحكومية وجهات القطاع الخاص ترتبط بشكل أو بآخر بهذه (القاطرة الحكومية)، إلا أنه لابد من الاعتراف بأن هذه الصورة قد بدأت بالتغير تدريجياً، ومن المتوقع أن تشهد السنوات القادمة تزايداً مضطرداً لدور كل من المنظمات غير الحكومية ولمؤسسات القطاع الخاص في العملية التنموية، ومن هنا تزداد أهمية إيجاد آليات تنسيق بين هذه الجهات الثلاث، بحيث تتحول صفة التبعية التي تحدثنا عنها سابقاً إلى صفة شراكة محددة المعالم. ومن ناحية أخرى يجب أن نضمن أن أياً من الجهات الثلاث لن تستخدم موارد الجهات الأخرى لتحقيق أهدافها، إلا في المجالات التي يكون هناك تقاطع للمصالح بها، إذ لا يمكننا (مثلاً) أن نعتقد أن حملة الأسهم في شركة خاصة قد يتخذون قرارات لتنفيذ مشاريع أو مبادرات محددة ذات طبيعة مغامرة ثم يأتي تمويل هذه الأعمال من القطاع الحكومي، إذ أن حملة الأسهم يفترض أن يغامروا بما يملكون وليس بالأملاك العامة، والأمر نفسه يرتبط بعلاقتهم بالمنظمات غير الحكومية، إذ لا يجب أن يكون للقطاع الخاص قدرة على توجيه عمل المنظمات غير الحكومية بما يخدم الأهداف الربحية لحملة الأسهم، ومن هنا يتوضح مدى التعقيد المتعلق بالشراكة متعددة الأطراف، ومن هنا تتضح ضرورة وجود آليات لهذه الشراكة.

أين التعليمات التنفيذية؟
في ضوء أهمية وجود إجابة عن التساؤلات التي طرحناها سابقاً، نعتقد أن عملية إصدار التعليمات التنفيذية للشراكة متعددة الأطراف قد تأخرت، وبعد مضي عام كامل على صدور القانون رقم 2 لعام 2005، أعتقد أنه علينا أن نسأل لماذا لم تصدر التعليمات التنفيذية المتعلقة بالمادتين 35 و36 من القانون /2/ الخاص بالمؤسسات والشركات والمنشآت العامة حتى الآن، وإلى متى ستعمل كل من الجهات العامة والخاصة والمنظمات غير الحكومية دون وجود إطار قانوني يحمي حقوق كل من هذه الجهات، والقضية لم تعد في مدى قناعتنا بضرورة وجود دور متنام للقطاع الخاص والقطاع غير الحكومي في العملية التنموية، وفي الحديث عن هذا الدور، ولكن متى ستصدر التعليمات التنفيذية المتعلقة بعملية الشراكة الشفافة التي تنقل العلاقة بين الجهات الثلاث من علاقة التبعية إلى شراكة متعددة الأطراف.
_______________________________________________________________

- المادة 35 يجوز للمؤسسات العامة والشركات العامة والمنشآت العامة فصل الإدارة عن الملكية في بعض الأعمال والخدمات ويصدر قرار الموافقة عن مجلس الوزراء بناء على اقتراح معلل من الوزير المختص. ‏
- المادة 36 يجوز للمؤسسات والشركات والمنشآت العامة اقتراح إحداث الشركات المشتركة لبعض الأعمال والخدمات على أن تحدث بصكوك قانونية، ويصدر رئيس مجلس الوزراء التعليمات المتعلقة بتنفيذ أحكام هذه المادة بناء على اقتراح من وزارة المالية والوزير المختص.
القانون /2/ الخاص بالمؤسسات والشركات والمنشآت العامة ( 9-1-2005)