اقتصاد سوق اجتماعي أم اقتصاد سوق إشتراكي !
|
محمود عنبر
Feed |
اقتصاد سوق إجتماعي أم اقتصاد سوق إشتراكي م. محمود عنبر مجلة أبيض وأسود – العدد160
هل بدأت الحكومة تنفيذ خططها؟ أم أنها تحاول أن تكون انتقائية في عملية التنفيذ؟ وهل تعبر الخطط عن سياسة حكومية واضحة؟ أم أنها تحمل تناقضاً في السياسات، وإلى متى تعتقد الحكومة بأنه يمكنها تنفيذ خطط ناجمة عن سياسات متناقضة؟ البيان التمهيدي: لم نكن ممن فوجئوا بزيادة أسعار البنزين والاسمنت، فهذا الموضوع قد ذكر صراحة في بيان إعلامي صدر دون توقيع ( من قبل مصدر رفيع في الحكومة) ، وذلك منذ بضعة أشهر، وقد تضمن العبارة التالية:
وقال مصدر رفيع المستوى في الحكومة، إن الأسس الاقتصادية التي استوجبت هذا الدعم لم تعد موجودة، مشيراً إلى أن الأزمات التي يعانيها الاقتصاد الوطني، والتي تمثلت مؤخراً بالضغط على مواد مثل المازوت والإسمنت والبنزين، تؤكد أن المعالجة بطريقة «الترقيع» لم تعد مجدية، وان لا بد من حلول جذرية تتطلب قرارات حاسمة وبالتالي ومنذ قراءة هذا البيان الحكومي ( الصادر إعلامياً، وفق آليات اعتدنا عليها)يمكننا التنبؤ بأن رفع أسعار البنزين والاسمنت والمازوت هي مسألة وقت ليس إلا، وعلى هذا فتصريح المصدر المسؤول مؤخراً حول عدم ارتفاع أسعار المازوت ( حالياً) ، ماهو إلا لامتصاص رد الفعل، فقرار رفع أسعار المازوت يبدو أنه قد اتخذ أيضاً ، أما توقيت التنفيذ فبضعة أشهر أخرى لن تقدم أو تؤخر.
وقدرت خسائر الدولة سنوياً بنحو 200 مليار ليرة من مادة المازوت ومن المعروف أن سعر ليتر المازوت لدينا هو /7/ ليرات, بينما سعره العالمي نحو /35/ ليرة سورية, أي أن الدولة تخسر /28/ ليرة في كل ليتر مازوت تقوم بدفعها دعماً لمادة المازوت وحدها. ويتلخص الإجراء الحكومي لمعالجة هذه الأزمة، في سلسلة إجراءات تمتد على مدى خمس سنوات، بحيث يوازي سعره عندها السعر العالمي، علماً أن سعر الليتر حالياً في السوق السورية يصل الى سبع ليرات، مقابل 30 ليرة في السوق العالمية. وتنوي الحكومة رفع سعر الليتر في السنة الأولى الى 12 ليرة، وتدريجياً للوصول الى السعر العالمي
هذه الخطة، فأين السياسة؟ لن نناقش القرار الحكومي، فإننا نرحب بأي محاولة للخروج من الأزمة الحالية، ولكي نكون واضحين، فإننا من حيث المبدأ لانعارض رفع الأسعار لتخفيف الضغط عن الخزينة، ولكننا نعارض الطريقة التي صدر بها القرار، والتي تؤدي لإجهاض النقاط الإيجابية التي قد ينجم عنها هذا القرار وترسخ النقاط السلبية. ونعيد التذكير بأننا قد حذرنا سابقاً ومنذ صدور هذا البيان الإعلامي للمرة الأولى بأن رفع الدعم يجب أن يترافق مع بناء شبكة ضمان اجتماعي، وقد قدمنا في حينه عبر المجلة مقترحاً كاملاً لتحقيق ذلك ( راجع مقال هدف الحكومة دعم المازوت أم دعم المواطن في العدد 147 من مجلة أبيض وأسود)، ونعيد الآن التأكيد على هذه النقطة التي نعتقد أن تجاوزها سيكون كارثياً.
من الملاحظ أن صدور قرار رفع أسعار البنزين بحوالي 23 % وأسعار الإسمنت بحوالي 62 % قد رافقه حملة إعلامية توضيحية، وهذه نقطة إيجابية تحسب للحكومة من حيث إيلاؤها إهتمام بالرأي العام، ومحاولة مكاشفته ومصارحته حول مبررات ماحدث وماسيحدث، هذا من حيث الشكل أما من حيث المضمون، فإن الحكومة يبدو أنها قد نسيت الشق الثاني من بيانها ( الإعلامي) الذي صدر منذ بضعة أشهر ، ولهذا فسنذكر الحكومة بالوعد الذي قطعته على نفسها في ذلك التاريخ وفقاً لما يلي: وتتوقع الحكومة أن الوفر الذي سيتحقق بعد رفع سعر مواد حوامل الطاقة فيما لو رفع الدعم سيبلغ 576مليار ليرة سورية, والمقترح بأن يذهب 40% منها إلى زيادة الرواتب والأجور و20% إلى دعم الأسر الفقيرة و40% المتبقية لتحسين الخدمات الصحية والتعليمية. ولذلك فإن قرار رفع الأسعار كان يجب أن يترافق فوراً مع معلومات حول مقدار الوفر الناجم عن ذلك، وطريقة إعادة توزيع هذا الوفر، وفي هذا السياق، فإن قرار زيادة رواتب وأجور العاملين في القطاع العام، والذي قدر حجمه بـ 22 مليار ليرة سنوياً ، ربما لا يعالج المشكلة بشكل كامل ، آخذين بعين الاعتبار أن القوة العاملة في سورية تبلغ خمسة ملايين ، بالإضافة لمليون عاطل عن العمل، ، وبما أن الدعم لم يكن مقتصراً على موظفي القطاع العام، وإنما لكافة المواطنين ، فإن عملية إعادة التوزيع يجب أن تشمل كافة المواطنين أيضاً. قد يعتقد البعض بأن ماحصل هو تحرير للأسعار ، وكنا نتمنى لو أن رفع الأسعار الذي حصل يندرج في سياق تحرير الأسعار، ولكننا وبصراحة فشلنا في تحديد السياسة التي تم بناء عليها رفع أسعار هذه المواد، فمن المعلوم أن البنزين هو مادة مدعومة، أما الاسمنت فهو مادة داعمة، وبالتالي فإن رفع سعر المادتين لايمكن أن يتم وفق سياسة واحدة، ولتوضيح هذه الفكرة لابد من مناقشة فكرة الصندوق المعدل للأسعار التابع لوزارة المالية: الصندوق المعدل للأسعار: المشكلة الآن هي في أن الحكومة التي تقرر التحول نحو اقتصاد السوق ( الاجتماعي)، والتي تقرر أن توازن الأسعار سيحدده العرض والطلب هي نفسها التي تحاول التوسع في استخدام الصندوق المعدل للأسعار ( واحدة من أهم آليات الاقتصاد الاشتراكي)، عبر رفع أسعار مادة الاسمنت ( مادة داعمة للصندوق المعدل للأسعار )، وهنا يكمن التناقض في السياسات. وفي ظل التوجه إلى اقتصاد السوق الذي أوصى به المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث العربي الاشتراكي, فإن السنوات الخمس المقبلة هي سنوات التحول إلى اقتصاد السوق وتستعيد قوى السوق وجهها الحقيقي وسيبقى دور الدولة في قيادة الاقتصاد الوطني ومعالجة أي فشل في السوق, وعندها سيكون العرض والطلب هو المحدد الأساسي في توازن الأسعار القطبة المخفية: في مجال الإسمنت: لقد صرح مصدر مسؤول بأن الاسمنت في السوق السوداء يبلغ سعره حوالي تسعة آلاف ليرة سورية، وبالتالي فإن رفع السعر الرسمي إلى ستة آلاف يعتبر عملية تصحيحية، وأعتقد أن هذا المنطق كان يمكن أن يكون مقبولاً لو أن القرار صدر عن المؤسسة العامة للاسمنت، وكان محصوراً برفع أسعار الاسمنت الذي يتم إنتاجه من قبل القطاع العام السوري فقط، وذلك في مقابل إلغاء رسم ( الصندوق المعدل للأسعار) عن الاسمنت ، إلا أن هذا للأسف لم يحصل، وبالتالي تساهم الدولة في رفع أسعار الاسمنت ( المنتج محلياً والمستورد) ب1400 ليرة لكل طن ، وذلك زيادة عن الأسعار العالمية ( التي تعتبر أصلاً مرتفعة) بسبب وجود طفرة عقارية في المنطقة . إلا أننا وفي الوقت نفسه، نجد أن هذا التصريح يتناقض مع تصريح مصدر مسؤول آخر، ذكر بأن رفع الأسعار هدفه استقدام استثمارات في مجال معامل إسمنت ( لاتحقق حدوى في الوضع الحالي)، وكأن المواطن يجب أن يدفع من جيبه هامش ربح لمشاريع ربما كانت غير مجدية اقتصادياً لأصحابها الحاصلين على تراخيص لإنشاء معامل إسمنت، وهنا نحن لمرة ثانية أمام الشق ( الاشتراكي) من اقتصاد السوق، الذي يحاول رفع الأسعار لجعل بعض المشاريع مجدية وفق أسس غير اقتصادية. السؤال الأهم في هذا السياق، هو ما الذي سيحصل في حال انخفاض الأسعار العالمية للاسمنت ( وهذا أمر يجب توقعه)، فهل ستحمي الدولة هؤلاء المستثمرين الجدد بالإبقاء على السعر المرتفع وتمنع الاستيراد ( أو ترفع ضريبته) أم أنها ستترك قوى السوق لتتحكم في الأسعار ( نريد التذكير بأن السماح بالاستيراد محكوم بفترة زمنية قابلة للتجديد). لأجل هذا نعتقد أنه كان من الأجدى أن تحصر الدولة تأثيرها بالإسمنت الذي تنتجه فقط، وان ترفع سعره ليباع بالأسعار العالمية، وأن تحول الإسمنت لمادة محررة ( وليست مادة داعمة)، وذلك عبر إلغاء الرسم عن الاسمنت المستورد والمصنع محلياً، وعندها فإن قوى السوق كفيلة بإعادة الاستقرار إلى هذه المادة ( تنفيذاً للتوجه المذكور سابقاً). أما ما يتعلق بتصريح مصدر مسؤول بأن رفع سعر الإسمنت سينعكس بمقدار 160 ليرة سورية فقط على متر البناء، فنعتقد انه تصريح إعلامي، وأن أسعار البيوت ستعاني من ارتفاع شديد على المدى القريب( وقد بدأت بوادر الارتفاع)، وذلك في انتظار القرارات الحكومية التالية، و لم تنفع في هذا السياق التصريحات التلفزيونية لمسؤولي المؤسسة العامة للإسكان التي لم تنجح حتى الآن في تنفيذ أي خطط ( بل لم تتمكن من وضع خطط إسكانية مقنعة حتى الآن)، ونعتقد أنه ما لم تصدر بعض المخططات التنظيمية، وما لم يصدر قانون يسمح لشركات القطاع الخاص ببناء تجمعات سكنية، فإن رفع أسعار الاسمنت سيكون له انعكاسات كبيرة على قطاع البناء، وما ظهر منها لايعتبر سوى أول الغيث. وفي مجال البنزين: قد نتفق من حيث المبدأ مع من يعتقد بأن رفع أسعار البنزين لن يكون ذو أثر اجتماعي كبير، فمن اعتاد على ملئ خزان سيارته بمبلغ ألف ليرة سورية ( مثلاُ) لن يجد حراجة في دفع مبلغ 250 ليرة سورية إضافية لملء الخزان، أما بالنسبة لسيارات التكسي العامة، فكلنا يعلم أن التأثير على تنقل كل فرد ( يكاد يكون مهملاً). ومن حيث المبدأ فإننا لانوافق على أن تعديل أسعار البنزين سيؤثر على نقل البضائع، فإن معظم البضائع تنقل بسيارات تعمل على المازوت، أو على الأقل هذا مايتم ذكره عند مناقشة الدعم المقدم للمازوت. المشكلة تكمن في أن الحكومة، وأثناء قيامها برفع الأسعار لم تجب على الأسئلة التالية: - تحدثت الحكومة عن وجود استهلاك كبير للطاقة في سوريا (تشير الأرقام إلى أن استهلاكنا مرتفع من الطاقة إذ يبلغ 14 ضعفاً مما تستهلكه اليابان لإنتاج السلعة و7 أضعاف ما تستهلكه أوروبا أي إن الكفاءة متدنية والاستهلاك كبير!! )، ولكنها لم تعلمنا عن علاقة هذا المؤشر باستهلاك كل من القطاعين العام والخاص، وهل ستحاول الحكومة تخفيض استهلاك القطاع العام ( الذي تعمل معظم آلياته على البنزين أم لا). وهل ستوقف التعامل بكوبونات البنزين الحكومية أم أن هذا النوع من الهدر سيستمر، طالما أن المواطن سيغطي هذا الهدر ( عبر الـ 250 ليرة إضافية في كل مرة يملئ بها خزان سيارته) - مالذي حصل بمشروع إحداث وسائط نقل داخلي تعمل على الغاز، وتحد من استخدام المواطنين لسياراتهم العاملة على البنزين - لماذا لم نجد حتى الآن طريقة لمعالجة مشكلات النقل الداخلي ( المترو) وكيفية تنظيم سيارات السرفيس الفردية
إذاً المواطن قد لايكون منزعجاً من رفع أسعار البنزين بقدر انزعاجه من عدم شفافية الحكومة في التعامل مع هدر الوقود ( الأرقام التي تم تسريبها تتحدث عن هدر بالمليارات في مجال البنزين الحكومي). وبالتالي فالمواطن قد يوافق على دفع مبالغ إضافية لتمويل مجالات الصحة والتعليم ( المنهارة) لكنه غير مستعد لتمويل سيارات حكومية تتحرك بكفاءة منخفضة، وتنفق البنزين دون حدود. ولاندري إن كان رفع أسعار البنزين سيؤدي إلى سوق سوداء للكوبونات الحكومية أم لا. مستقبل قاطرة التنمية: وإذا علمنا أن نسبة الدعم التي تقدمها الدولة تبلغ 40% من أصل الموازنة أدركنا العبء الكبير الذي تتحمله الدولة من أجل ذلك, فالدعم كبير والموازنة صغيرة!! والأساس هو تحرير الأسعار- فلم يعد مسموح دعم المازوت أو القطن أو القمح مباشرة للمواطن بل ينبغي الانتقال إلى الدعم غير المباشر (استشارات، بحوث، قروض ميسرة) لذلك فإن انتقال الحكومة إلى الدعم الآخر هو توجه صحيح ينسجم مع استحقاقات المرحلة القادمة. استحقاقات المرحلة القادمة: بما أن الحكومة تعدنا بتعديل الدعم ليتناسب مع استحقاقات المرحلة القادمة، فأعتقد أنه يحق لنا السؤال عن أمور تتجاوز إدارة الأزمة المتعلقة بعبئ الخرينة، إلى شكل الاقتصاد الذي سنبنيه في المرحلة القادمة، وفي هذا السياق فهل ستتحول سورية نحو الاقتصاد الجديد أم أنها ستدعم صناعاتها التقليدية أم أنها ستقتصر على الصناعات الغذائية وعلى السياحة كما تقترح بعض ( الجهات المانحة)؟ وماذا ستفعل سوريا لإنقاذ نظامها التعليمي المنهار ونظامها الصحي المتدهور، وأمام أزمة السكن ( والإسكان)؟ وهل سيفتح الباب أمام القطاع الخاص في هذه المجالات أم أننا سننتظر إلى اللحظة التي يصبح فيها الاستثمار غير مجد ( كما هو في مجال الاسمنت الآن)، ومن ثم نبحث عن حلول متسرعة؟ وأين دور القطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية في هذه المرحلة؟ أم أن المناداة بدور هذه الجهات يبدأ بعد الوصول لطريق مسدود، كما يحدث مع الصناعة السورية الآن؟ |
| full article | source | 18 reads | |
