عندما بدأت هذه المدونة, لم أكن أعلم أنني سأكتب كل ...
|
الواحة الرقميّة (Digital Oasis)
Feed |
عندما بدأت هذه المدونة, لم أكن أعلم أنني سأكتب كل ما كتبته للآن. فلقد أصبحت الكتابة نوع من العلاج النفسي لشخص سوري مثقل باكتشاف موقعه من العالم. و لأنني حصلت على نعمة العيش داخل و خارج سوريا, استطعت إكتشاف العديد من الثقافات الأخرى و قد نضجت إنسانيتي. أنا الآن أنظر إلى المستوى الفكري و الحضاري الذي أخذته معي من سوريا للعالم عدة سنوات مضت و أحس بالخجل مما كنت فيه. و ما أحلى العيش في بلدان العالم الأول, و يا لها من تجربة مريرة العودة لما يسمى الوطن السوري للعيش وسط الفوضى و الفساد الذي يأتي من كل صوب, أكان مجتمع أو حكومة أو دولة. و لقد عشت في بلاد تملك من القوة ما يمحي سوريا عن بكرة أبيها و لا تجد لرئيسها أو رئيس وزراءها صورة واحدة في الشارع. في المقابل, أرى في بلد عقر الهزيمة صور رئيسها تفترش كل شارع و جادة و دوّار حتى مللت من النظر إلى وجهه سنة بعد سنة و بت أنظر إلى الأرض, و خوفي أن يضعوا صورته على البلاط أيضاً. ما هذه النرجسية؟ لا أدري إذا كان غيري ممن عاشوا في الخارج و الداخل يشعرون بهذا التشارد في الأحاسيس, و أعتقد أنه لو لم أحب العرب و بلادهم على مستوى ما, لما أرهقني هذا الإحساس عاماً بعد عام. لكن في نفس الوقت, أنظر إلى هذه الشعوب و يجتازني شعور من العداء لهم و النظرة الدونية لهم. أراهم يلقون القمامة من السيارات, يقودون السيارات بأسوأ الأخلاق, يضعون القمامة أمام البناية رغم أن الحاوية تبعد أمتاراً معدودة, أرى القذارة في الملبس, و الروائح المزعجة من الأشخاص ممن يهملون نظافتهم الخاصة. أرى الرجال المتسكعين الذين يعتدون على النساء بسبب و دون سبب, أرى عدم قدرة الناس على الإصطفاف في دور, أراهم في المظاهرات كالماعز لا يمشون بنظام, و في طريق العودة من أي بلد متحضر إلى ما يسمى بالوطن على متن طائرة أحس بالخجل الحقيقي حيث معظم السوريون لا يجلسون في مقاعدهم رغم النداءات المستمرة للمضيفة. و عندما تهبط الطائرة, يفك هؤلاء أحزمتهم قبل أن يطفىء القبطان الشارة و تتوقف الطائرة. كل هذا يحصل رغم رجاء المضيفة لهؤلاء بأن يلتزموا بقوانين المسافرين, و أخيراً تستسلم و تقول بصوت خافت عرب حيوانات. و في هذه الرحلات أحرص كل الحرص على أن لا أتحدث بالعربية حتى لا أكون منهم و في نفس الوقت أعتصر ألماً لكلماتها و لكن لا ألومها. و في المطار يراقبني العسكري بنظرات الإحتقار أو الشك و يسأل أسئلة خصوصية ممن لا يسألها أي من ضباط الأمن في البلاد التي خبرتها, و من ثم يركض إلي عامل النظافة يريد أن يجلب حقيبتي, و لم يزل يريد الحلوان رغم أنني جلبت حقيبتي بدونه. أي حلوان هذا؟ كل حرامي في هذا البلد البائس يريد الحلوان....إنه وضع يثير الإشمئزاز. و بعد كل هذا لست أدري أين موقعي, فأحس أنني غريب في بلدي. لقد اختارني القدر كي ألد في هذه الأمة و لو أنني خيرت, لربما إخترت أمة أخرى لأكون منها. لا أحد يفهمني هنا و عندما أحاول أن أشاطر غيري سلوكاً حضارياً, تكون السخرية من أفعالي هي النتيجة. لا زلت أذكر أنني قطعت مسافة لحاوية كي أرمي فيها ورقة, و إذ بمن معي يسخرون مني و يتهمونني بأنني أحاول أن أتشبه بالأجانب, فما العمل؟ ليس كل الغرب مثالياً و لكن الطابع العام مثالي و إن وجد قلة إستثنائية متخلفة فيه. أما الحال عندنا, فالطابع العام عندنا هو التخلف مع وجود قلة إستثنائية متحضرة مثلها كمثل من كانوا مع سيدنا نوح, فمتى يأتي طوفان الرب ليهلك البقية؟ |
| full article | source | 33 reads | |
