بغض النظر عن شرعية النظام الموريتاني أو عدمها، عن عدله أو ظلمه، عن شعبيته أو كراهية الناس له، فإنني لا أستطيع إلا أن أرفض فكرة الاستيلاء على السلطة بالقوة وادّعاء الشرعية من على ظهر دبابة. ولا أستطيع إلا أن أشمئز لسماع كلمة "انقلاب عسكري"، لأنها تنكأ جراحاً سورية قديمة-جديدة، وتذكّرني بوصمة العار التي تحملها سوريا لكونها أول من أدخل "موضة" الانقلابات العسكرية إلى العالم العربي صباح 30 آذار (مارس) 1949. ولا أستطيع إلا أن أكون متشائماً وأن أتوقع أن يحمل الإنقلابيون في نواكشوط إلى الشعب الموريتاني أكاذيب وخرافات وأوهاماً، كالتي ألِف السوريون سماعها على مدى عقود في صيغ متعددة من "البلاغ رقم واحد":
30 آذار 1949: "لجأنا مضطرين إلى تسلم زمام الحكم مؤقتاً في البلاد التي نحرص على المحافظة على استقلالها كل الحرص. وسنقوم بكل ما يترتب علينا نحو وطننا العزيز، غير طامحين إلى استلام الحكم"
14 آب 1949: "عزم جيشكم الذي لا يريد إلا الخير بالبلاد أن يخلصها من الطاغية الذي استبد هو ورجال حكومته. وقد أتم الله للجيش ما أراد، فأنقذ شرف البلاد، وآلى على نفسه أن يسلم الأمر إلى الأحرار المخلصين من رجالات سوريا"
19 كانون الأول 1949: "اضطر الجيش، حرصاً على سلامة البلاد وسلامته، وحفاظاً على النظام الجمهوري، أن يقصي هؤلاء المتآمرين، وليس للجيش أية غاية أخرى، وإنه ليعلن أنه يترك البلاد في أيدي رجالها الشرعيين، ولا يتداخل إطلاقاً في القضايا السياسية"
28 أيلول 1961: "قام جيشكم الذي كان دائماً وسيبقى دعامة وطنية راسخة، قام لإزالة الفساد والطغيان ورد الحقوق الشرعية للشعب. وإننا لنعلن أن هذه الانتفاضة الوطنية لا صلة لها بشخص أو فئة معينة، وإنما هي حركة هدفها تصحيح الأوضاع الغير شرعية"
8 آذار 1963: "اطمئنوا إلى مستقبلكم، فلن تسلّم الأمانة إلا للمؤتمنين الذين عرفهم الشعب ووثق بهم، وكانوا معه في كل معارك نضاله وكفاحه، وعاشوا حلاوة نعمائه ومرارة فاقته وشدة بلواه" |