نسينا الوطن يا سيدي فلم نعد بحاجة لنخونه .. ؟!!

souriayahabibati
Feed
نسينا الوطن يا سيدي فلم نعد بحاجة لنخونه .. ؟!!
مقالات واراء
سيدي الماغوط ايها الكاتب الكبير بعد ان قرأت كتابك " سأخون وطني " اقول لك .. ارجوك تمهل ، فالامور اليوم تغيرت، وانت المستاء من كل شيء والثائر على كل شيء ،
الامور تغيرت يا سيدي ، ولم نعد نعير بالا الى الاسهالات المتلاحقة في الانتصارات التي تحدثت عنها في كتابك في الحروب والمعارك ..
لان اشكال اسهالات الانتصارات التي نعانيها اليوم تعددت ووصلت الى الثقافة والفنون والفكر والاخلاق والممارسات والكلمات والمضغات ورشفة الماء .. وصلت الى دقائق عمرنا المديد .. الطويل الطويل .. كل دقيقة نعيشها ايها الكاتب الكبير هي انتصار لمواطننا الصامد المتصدي المتحدي الرافض الثائر المعتز الشامخ الناهض النامي التقدمي الرفيق المقاتل .. وأخيرا المنتصر على الموت في كل لحظة حياة يعيشها ..
اما عن الازمات . لا لا لا لا ، لم يعد لدينا ازمة موز وكلينكس وغاز .. وساعات نقضيها امام الفرن لشراء الخبز .. فكل شيء متوفر والحمد الله وما لا تجده في السوق المحلية ستجده في السوق الحرة ، سيارات تغص بها المعارض ، وبيوت سكنية في الضواحي والتوسعات والابنية الشاهقة والفلل الفارهة . .
لا لا .. احسن من ايامكم بكثير .. كل شيء متوفر .. وكل ما لدينا مشكلة صغيرة .. فقط لا نملك النقود .. لنشتري ما يحلو لنا .. وهذه بسيطة تأتي عبر الاجيال انشاء الله .. خاصة بعد ان دخلنا في عصر اقتصاد السوق الاجتماعي .. وشرح "الاجتماعي " بعد اقتصاد السوق يطول وهذه قصة اخرى ..

وفوق كل هذا اظنك لا تفتقد " روسيا " وها أنت تخلصت من الاشتراكية ، وودعت العروبة ، ويمكنك التملص من خدمة العلم بسهولة من خلال عاهة مستديمة تقذفك الى تصنيف الخدمات الثابتة ، فتخرج براءة من حكم بالاشغال الشاقة في غسل السيارات وتأمين الحاجيات وتوصيل الاولاد والبنات بالاضافة الى اعمال المنزل والحراسة والحماية للشخصيات المرتفعة المستوى .. عن ظهور الكادحين والعمال والفلاحين وصغار الكسبة من سائقي تاكسي واصحاب البسطات وخرجي الجامعات والمعاهد ..
اما عن الثقة بين اعلامنا والمواطن فمازالت موجودة والزواج الكاثوليكي مازال قائما بينهما لم يفرقه سوى موت الشعوب العربية ، ليتحرر الاعلام في الفضاء الذي لا نملكه لتفوق السلاح الجوي للعدو ..

اما عن اليسار واليمين فلم يعد للاتجاهات في زماننا قيمة ، وكل الطرق التي تؤدي بك الى مكان غير الضياع ستأخذك الى واشنطن.
وما سيفرحك حقا يا صديقي هو موت الخطب والشعارات ، والشعار الوحيد الذي بقي في هذه الايام هو السكوت من ذهب ، والخطاب الوحيد الذي يفهمه الشعب هو خير الكلام ما قل ودل ، لاننا ورثنا التخمة عنكم انتم ، وقد امتلأتم الى درجة ان كل اسهالات الانتصارات التي تحدثت عنها في عهدك ورثناها مرضا معديا لابناء جيلي ، لم تسطع ان تصرف ما في جوفنا من كلام كثير لزعماء كبار اصابنا بعسر الهضم وآلام المعدة ودوار في الرأس وغشاوة في النظر ونقص حاد في المنطق وانفصال في الشخصية بين القومية والقطرية التي ما زلنا نقيم لها المؤتمرات ، حيث استبدلنا مكبرات الصوت الطليقة ، بناطق رسمي اخرس لا نحصل منه الا على الايماءات والاشارات والحزازير ( جمع حزورة ) .. وجمل عامة تشبه حبة الدواء البيضاء التي كانوا يوزعونها علينا في خدمة العلم .. حبة واحدة لكل الامراض وعبارة يتيمة لكل القضايا ..

الأراضي المحتلة .. أيــه .. ماذا اقول لك .. ليست الاراضي وحدها في زماننا محتلة بل امتد الاحتلال الى الشعوب ، التي يأست وباعت وتسطحت واستلقت جثثاً هامدة امام شاشات التلفزيون ..
كلما اردت الخروج لاخوض حرب التحرير ، ينط لي زاهي وهبي ويقول لي "خليك بالبيت" ، ويتحداني طوني إن كنت "اجرؤ" للخروج الى النور تحت اضواء الاستديو .. لأواجه .. الشتائم والفضائح والراقصات وبائعات الهوى والفنانات ، واخوض الخناقات والمهاترات والجدالات والصبحيات .. واجتاز الفخاخ والحفر وانط من فوق المطبات ..
لم يعد لدينا اسلحة في هذا العصر ياسيدي الماغوط .. فهذا عصر الاعلام والكلام .. كلام نواعم .. وكلام الناس .. وحوار مفتوح ، واكثر من رأي .. والرأي والرأي الاخر ..
صمت الزعماء والقادة في عصرنا وتحدثت الشعوب في كل المنابر .. وتحولت الحروف الى ألوف في برامج المسابقات .. واصبح السؤال الملح في يومنا الحالي هو من سيربح المليون ؟

هذه هي قضيتنا يا سيدي .. وقد وحدنا القضايا ، لنحدد الهدف الضائع في كتاباتك ، لنختصر كل المقالات التي حملتها في جوفك سنين وقرأناها في صفحات كثيرة ، نختصرها الى صفحة واحدة ..

نتاجر .. نقتل.. نسرق .. نجبن .. نخنع .. نظلم .. نرقص .. نتلوى .. نلهث .. ونتلون .. نصمت .. نبتلع الكلام والكرامة .. وننسى ..

ننسى الوطن .. فلا حاجة لنا بعد اليوم لنخونه ..

نضال معلوف

http://www.syria-news.com/readnews.php?sy_seq=12495