سوريا.. كرامة الوطن والشعب ... بقلم : د. فاضل فضة

souriayahabibati
Feed
سوريا.. كرامة الوطن والشعب ... بقلم : د. فاضل فضة
مقالات واراء
لا أدري إن كان العنفوان المعنوي يدعى كرامة، ولا أدري إن كان الشعور العاطفي بحيويته المطلقة قد نسميه أيضاً كرامة. قد يتغير كثير من المفاهيم عندما تسمح لنا الظروف بالعيش في بلاد ذات ثقافات مختلفة عما كنا ومازلنا نحمله من ثقافة خاصة بنا، تسافر معنا في شرايينا بايجابياتها وسلبياتها، فالثقافة هي الوطن، والوطن هو الأرض التي ولدنا عليها وما تقدمه لنا من مساحات للتفاعل اليومي والمصيري في سلوك بشري قد يتشابه في بعض من جوانبه، مع سكان الأرض قاطبة.
يتميز الوطن السوري بمدنيته وقدمه في التاريخ، كما يتميز بأنه كان محطة للعديد من حضارات الأرض القديمة التي عرفها الانسان. هذا الوطن الصغير الكبير في تراكمات سنينه، تمدد وتقلص، تغير وتحول، ثم في زمننا الحاضر، اصبح الجمهورية العربية السوريا، بما يحوي على ترابه من انسان.
اليوم وليس صدفة في تاريخه، يواجه الوطن تساؤلاً عميقاً وكبيراً، هل هو وطن السوريين جميعاً، وهل هو لشعبه كله، أم أنه مسجل في سجلات الأمم المتحدة، عبر من يحكمه، أو يتحكم به، أرضاً وشعباً وموارد وثقافة.
ما هي كرامة الوطن، ومن خلالها كرامة المواطن، أي الشعب؟ وما هي قدرتنا على الفصل بين السلطة السياسية، وما يتبعها من سلطات تنفيذية أمنية وعسكرية على فضاء وحياة المواطن السوري؟
ما يشاع اليوم في محنة السلطة مع الأمم المتحدة، والضغوط المتتالية على النظام السوري، أن كرامة الشعب السوري وكرامة الوطن، مهددة. ولا أدري إن كان يمكن وفي مثل هذه الحالة الخاصة جداً من تاريخنا المعاصر، اختصار الشعب السوري كله وحقوقه الغائبة بشكل مماثل لما هي عليه حقوق الشعوب في دول الجوار أولا، ان لم نقل في دول العالم المتقدمة، عندما يقال: إن الشعب السوري يملك الحياة الكريمة والحرية والديمقراطية وحق تكافؤ الفرص، الممثل بشكل متساءل عنه تاريخياً، بتحالف رجال السلطة السياسية والأمنية والاقتصادية، ثم القول: إن كرامة هذا الشعب الأبي، هي كرامة السلطة السياسية والأمنية وتوابعها من ديناصورات الفساد الاقتصادي، والاصرار على ربط كرامة الوطن كله بمسار تحقيق دولي يهدف الى كشف جريمة اغتيال جنائية، ذات طابع سياسي بالأصل. ووضع الشعب السوري كله في مواجهة دولية، تهدف الى ادانة رجال الأمن أولاً، أو ادانة النظام القائم، كنتيجة حتمية لمشروع جديد تصّر الولايات المتحدة الأمريكية على تطبيقه في المنطقة.
وهل يملك المواطن السوري بالأصل حريته، وديمقراطيته، و”كرامته” فعلاً، في بيئة نظام شمولي كالنظام السوري، ليتم التفاعل العفوي بين المواطن والادارة السياسية، أم أن الكرامة السورية اليوم، اصبحت للنظام السياسي، شعاراً جديداً استحدث لمتطلبات الأزمة الحالية، بعد ما أثبت أن العمل السياسي السوري خلال نصف القرن الماضي، يحتاج دائماً وأبداً الى شعارات للتخدير والتصدير لا معنى لهم أبداً عند الشروع في التطبيق.
وبما أن السلطة السياسية في سوريا، لا تزال تصر على تجاهل حق المواطن السوري بالحرية عملياً، والديمقراطية مؤسساتياً، فإن معنى الكرامة على مستوى الوطن، يبقى حقاً لكل مواطن، ومن واجب أي سلطة سياسية تأمينه من خلال وضوح الدستور وسيادة القانون، ولا يمكن اعتبار كرامة الوطن والمواطن، حقاَ للسلطة السياسية، تستخدمه بشكل يحقق أهدافها السلطوية، ويحميها من اخطائها، على مستوى رجال أمنها أو على مستوى سياسييها.
ولا يمكن أن يستمر اداء الادارة السياسية السورية بهذا الشكل اليوم، وقد اصبحت مدانة، ولو أدبياً، من الدول العربية “في أغلبها” والعالمية في معظمها. كما أنه لا يحق لها استخدام شعارات الكرامة، والوطن، والوطنية، من اجل الدفاع عن بعض رجال الأمن، وان كانوا في سدة الحكم، في قضية تحقيق جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري.
ما يتوجب على السلطة السياسية السورية اذا كانت بريئة من جريمة الاغتيال، بدلاً من تفنيد ولغم لجنة التحقيق الدولية للأمم المتحدة بقيادة ميليس، الكشف (ماهي قادرة على كشفه في سوريا وبزمن قصير) عن الفاعلين الحقيقيين في هذه الجريمة، أو تقديم جميع المعلومات للجنة، خاصة أن رؤساء أجهزة الأمن في لبنان مازالوا في السجون في انتظار اتهامهم رسمياً فيما بعد.
أما الممانعة في التحقيق نفسه، والذي يضم في عضويته عشرات المحققين العالميين من دول متعددة وليس ميليس الألماني فقط، ومحاولة العمل على افشال الأداء، وتحويله الى مؤامرة على الشعب السوري، واهانة كرامته، فإنني أتساءل عن كرامة الشعب اللبناني، خاصة بعد وضع أربعة من أهم مسؤلي الجهاز الأمني في الدولة اللبنانية في السجن.
اننا ومع معظم السوريين نتمنى أن تكون سوريا بريئة من هذه التهمة، لكن ما يحدث، من قبل السلطة السياسية، لا يدعو الى التفاؤل أبداً.
كما أننا وكغيرنا كنا نتمنى من هذه السلطة، بدلاً من بذل الجهود الجبارة على جميع المستويات، الخارجية والدبلوماسية، والتقنية والاعلامية، ومنذ عدّة اشهر في محاولة لإفشال ميليس وجهوده في الكشف عن الجريمة، كنا نتمنى أن تبذل هذه الجهود في الاسراع بعملية الاصلاح السياسي، والمصالحة الوطنية، وتغيير العقلية الأمنية الأحادية في منطق ادارة الدولة السورية، لتحقيق المعنى الحقيقي لكرامة المواطن السوري، لكي ينتفض هذا المواطن عفويا في الدفاع عن حقه في الحياة وكرامته الحقيقية، بشكل مشابه لما فعله الشعب اللبناني بعد أيام من الاغتيال، عندما شعر بأن الخدمات والتضحيات التي قدمتها له سوريا، يمكن نسيانها بسهولة عندما تصبح الحرية شعاراً لا معنى له، وعندما تصبح الدولة في ادارتها بمعظم مؤسساتها مطيعة لنظام أمني “محدود” في تفكيره، كونه لا يعرف من الديمقراطية والحرية الا “مصالحه” في التحكم بالوطن والمواطن.
ولا يمكن الشك مطلقاً، أنه لو كانت لدى السلطة السياسية السورية رغبة في القيام بتغييرات مناسبة لخلق مناخ ديمقراطي حقيقي في سوريا، لفعلت ذلك بكل ما لديها من امكانات، ولكانت بذلك قد تغلبت على أي محاولة لتطويق سوريا، اذ كانت هناك فعلاً مؤامرة بهذا الصدد، ليس عن طريق الضغوط الأمريكية أو غيرها بل حتى لو كانت عن طريق الأمم المتحدة ودول العالم كله.
ولا أدري من هو الذي سيقف في طريق ايجاد المناخ الديمقراطي في سوريا، غير السلطة الأمنية وتجمع المصالح الاقتصادية الفاسدة. أما الشعب السوري، فإنه كان ولا يزال حبيس الحلم والأمل في هذه الكرامة المغلفة بسياج الرعب والخوف.
ولا أدري ان كان يمكن أن ننسى أن الوطن في معناه الحضاري، أسمى من أي سلطة في أي نظام سياسي، لذا لم تهن كرامة الشعب الروماني عندما سقط تشاوشيسكو، ولم تهن كرامة الشعب اللبناني عندما زج برجال نظامه الأمني في السجن، ولم تهن كرامة أي شعب عندما حوكم رجال التسلط والدكتاتورية فيه أبداً.
فالشعب هو الوطن، والوطن هو الشعب، والسلطة السياسية وتوابعها، أمناء على كرامة هذا الشعب. هذا ما هو مفترض، وهذا ما يتوجب أن يكون في سوريا “العربية” في شكلها الحضاري الشامل.

دار الخليج